نبذة عن الشيخ أشرف علي التهانوي رحمه الله تعالى

شخصية المؤلف، ومقامه العالي ينافي محاولة أمثالي للكتابة عنه. وقد كُتبتْ مجلدات عنه في اللغة الأردية – لغة المسلمين ببلاده ، مثل: «أشرف السوانح لخواجه عزيز الحسن المجذوب في ثلاثة أجزاء، وسيرت أشرف للمنشي عبد الرحمن خان، وحيات أشرف للدكتور مولانا غلام محمد. أما باللغة العربية، فليرجع القارئ إلى ما أفرده الشيخ محمد رحمة الله الندوي في ترجمته بعنوان: «أشرف علي التهانوي حكيم الأمة وشيخ مشايخ العصر». وإلى ما كتبه فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الندوي رحمه الله في تكملة «نزهة الخواطر: الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام» ، ومنها استخرجت الترجمة المختصرة التالية، مع زيادات يسيرة من مصادر الأخرى:

اسمه وولادته

 هو الشيخ العالم الفقيه أشرف علي بن عبد الحق الحنفي التهانوي الواعظ المعروف بالفضل والأثر. ولد في ربيع الثاني من سنة ۱۲۸٠، بقرية تهانه بهون، من مديرية مُظفر نكر بالهند.

طلبه للعلم

تَرَبّى في قرية عامرة بالعلم والدين، بعد أن فوجئ بوفاة أمه، وهو في الخامسة من عمره، وتلقى العلم في قريته، قبل أن يرحل إلى مدرسة دار العلوم ديوبند، قِبْلة العلم في شبه القارة الهندية حينذاك. وبها: قرأ المختصرات على مولانا فتح محمد التهانوي، والمولوي مَنْفَعتْ عليّ الديوبندي، ومن شيوخه فيها: مولانا محمود حسن الديوبندي المحدث (المعروف بشيخ الهند) المتوفى ١٣٣٩ هـ ، والسيد أحمد الدهلوي، ومولانا يعقوب بن مملوك علي النانوتوي (ت ۱۳۰۲ هـ)، كلها في المدرسة العالية بديوبند.

أخذه الطريقة والسلوك

ثم سافر إلى الحجاز، فحجّ وزار، وأخَذَ الطريقة عن الشيخ الكبير إمداد الله التهانوي، المهاجر إلى مكة المباركة (ت ١٣١٧ هـ)، وصحبه زمانًا، قبل رجوعه إلى الهند.

تدريسه وأخلاقه وأحواله

درس مدة طويلة في مدرسة جامع العلوم بكانبور، مع اشتغاله بالأذكار والأشغال، حتّى غلبت عليه الحال، فترك التدريس وسافر إلى أقطار الهند، وراح إلى الحجاز مرة ثانية، وصحب شيخه مدة، ثم عاد إلى الهند وأقام بموطنه في آخر صفر، سنة خمس عشرة وثلاثمائة وألف وصار مرجعًا في التربية والإرشاد، وإصلاح النفوس وتهذيب الأخلاق، تُشدُّ إليه الرحال. وانتهت إليه الرئاسة في تربية المريدين وإرشاد الطالبين، والاطلاع على غوائل النفوس ومداخل الشيطان، ومعالجة الأدواء الباطنة والأسقام النفسية. وكانت أوقاته مضبوطة منظمة، لا يُخِلّ بها، ولا يستثنى فيها إلا في حالات اضطرارية، وكان إذا انصرف من صلاة الصبح اشتغل بذات نفسه، عاكفًا على الكتابة والتأليف، منفردًا عن الناس، لا يطمع فيه طامع، إلى أن يتغدى ويقيل ويصلي الظهر، فإذا صلى الظهر جلس للناس يجيب عن الرسائل ويقرأ بعضها للناس، ويتحدث إليهم، ويؤنسهم بنكته ولطائفه، ويكتب بعض التعويذات، فإذا صلى العصر انفرد عن الناس، واشتغل بشؤون بيته، إلى أن يصلي العشاء.

مكانته العلمية

 كان من كبار العلماء الربانيين الذين نفع الله بمواعظهم ومؤلفاتهم، وقد بلغ عدد مجالس وعظه التي دونت في الرسائل، و جمعت في المجاميع، إلى أربع مائة مجلس، وقد كان نفع كتبه ومجالس وعظه عظيمًا في إصلاح العقيدة والعمل، واستفاد منها ألوف من المسلمين. كانت له اليد الطولى في المعارف الإلهية، ومهارة جيدة في التصنيف والتذكير ، ورزق من حسن القبول ما لم يرزق غيره من العلماء والمشايخ في العصر الحاضر.

تصانيفه

وله مصنفات كثيرة ممتعة، ما بين صغير وكبير وجزء لطيف ومجلدات ضخمة، أحصاها بعض أصحابه، فبلغت إلى نحو ثمان مائة، وقيل: بلغت أكثر من ألف وخمس مائة كتاب، منها: نحو اثني عشر كتابا بالعربية.

 منها: «أنوار الوجود في أطوار الشهود»، و«التجلي العظيم في أحسن تقويم»، و«سبق الغايات في نسق الآيات»، وغيرها.

 ومن مصنفاته في غير العربية «بيان القرآن» في الترجمة والتفسير في ثلاثين جزءًا، و«التكشف عن مهمات التصوف»، و«حياة المسلمين»، و«تعليم الدين» و«البوادر والنوادر»، و«إصلاح الرسوم». وقد كان لكتابه : «بهشتي زيور» (حلية أهل الجنة) – الذي ألّفه أصلا لتعليم البنات، وضمنه المسائل الفقهية التي تشتد إليها الحاجة ـ كان له رواج وذيوع في تلك البلاد، قلما يبلغه كتاب آخر من الكتب الدينية في هذا العصر، وطبع مرارًا كثيرة يصعب إحصاؤها.

شمائله

كان أبيض مُشْرَباً بحمرة، ربعةً من الرجال، حَسَنَ الثياب في غير إسراف وتجمُّلٍ ، حلوَ المنطق، لطيفَ العشرة، فيه دُعابة مع مَهابةٍ ووقار وسكينة ورزانة، كثيرَ المحفوظ، حسن الاستشهاد بالأبيات، كثير التمثل بأشعار «المثنوي» لمولانا جلال الدين الرومي في المواعظ والمجالس، شديدَ العناية بأداء الحقوق إلى أصحابها وإصلاح المعاملات مع الناس، لا يحتمل في ذلك تساهلا ولا تغافلا.

وظل الشيخ رحمه الله من كبار أولياء الديار الهندية، وعلمائها، فصار مَرْجعًا للقاصي والداني. فكثرتْ تلاميذه ومريدوه، وبارك الله في أوقاته، حتى لقب بـ: «حكيم الأمة»، و«مجدِّد الملة»، حيث أحيا الله به العلم والدين، وأقمَعَ به البِدَع والتقاليد الباطلة، في مئات القُرى والمُدُن.

وفاته

توفي الشيخ رحمه الله ليلة ١٦ رجب من سنة ١٣٦٢هـ  الموافق بـ:٢٠ يوليو عام ١٩٤٣م. بتَهانَه بهون، ودفن في زاويته هناك، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته

(من مقدمة الأعمال القرآنية)